Skip to content

   

فكرة الحرية عند الشيخ عبد الحميد بن باديس */أ.د مولود عويمر

libertéاهتم الشيخ عبد الحميد بن باديس بمسألة الحرية كسائر العلماء المسلمين المجددين في العصور القديمة، ورواد الإصلاح والنهضة في العصر الحديث. ومن الجدير بالذكر أن هذا الجانب في فكر ابن باديس لم يحظ إلا بإشارات محدودة ولم يدرس دراسة معمقة جادة. في حين أن فهم مسألة الحرية عند ابن باديس هو مفتاح لفهم إستراتجية العمل الدعوي والكفاح السياسي لهذا العالم المجدد التي كانت تتراوح بين المهادنة والليونة من جهة، والشدة والمغالبة من جهة أخرى حسب الأحوال وتقدير المصلحة تحت شعار: ” الظروف تستطيع أن تكيّفنا ولكنها لا تستطيع أبدا تتلفنا”.
فما هو مفهوم الحرية عند الشيخ عبد الحميد ابن باديس؟ وما هي مصادره؟ وما هي أنواع الحرية التي اهتم بها هذا المصلح المجدد؟ وما هي معوّقات ومعطلات الحرية؟ وهل كان ابن باديس مستقل الفكر وممارس لحرية التعبير في مجالسه وصحافته؟ كل هذه الأسئلة تحتاج منا وقفات وتأملات ودراسات.

مفهوم ومعاني:
الحرية هي في– نظر الشيخ ابن باديس- “التمتع بجميع الحقوق التي هي لك، في حدود من النظام لا تتعداها إلى حقوق غيرك”. فالحرية المسؤولة هي، إذن اكتساب الحقوق المستحقة نتيجة التزام الفرد بالواجب واحترام القيم المتفق عليها في القانون السماوي أو الأخلاقي أو الوضعي.
والحرية هي صفة لازمة للإنسان وهي مصدر الوجود وروح الحياة، فالحرية “هي طبيعة في الوجود، وحق شرعي لكل إنسان… والإنسان إنما هو إنسان ما دام يتمتع بالحرية.” وبمعنى آخر الحرية فطرة في الإنسان يحبها بطبعه لأنه مرتبط بوجودها وهي ضمان لحياته. “فحق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المتعدي عليه في شيء من حريته المتعدي عليه في شيء من حياته.”
فمن كان حرا كانت الحياة عبدا له، ومن كان غير ذلك عاش عبدا فيها. ويتميز بها الإنسان عن سائر الكائنات والمخلوقات الأخرى. فإذا سلبت منه “أو تعداها كان بين الوحشية والجمود.” فلا بد إذن أن يحرص الإنسان على حقوقه حتى لا يكون جمادا، ولا يتعدى على حقوق غيره حتى لا يصبح وحشا. الحرية لها إذن حدود وليست مطلقة ما دامت مرتبطة بضوابط دينية أو اجتماعية أو سياسية.
والحرية نوعان كاملة وناقصة. فالحرية تكون فقط شعورا داخليا يسعى الإنسان للحصول عليها ونيلها بطرق مختلفة. وهذا هو حال ابن باديس وغيره من الجزائريين الذين لا يتمتعون بكامل حرياتهم لكن لا أحد يمكن أن يصفهم بالعبيد أو ما شابه ذلك. ولهذا يحتفل ابن باديس بعيد الحرية للتعبير عن شوقه إليها وتسجيل وقفة للتأمل ورسم معالم جديدة لتحقيق مكاسب في طريق التحرر. ” إننا هنا نحتفل بالحرية ونفرح مع الأحرار، وإن لم نكن نلنا من تلك الحرية المحبوبة حظنا، لأن الحرية والإنسانية محبوبتان ومقدستان لذاتهما؛ والمسجون الشريف يفرح بحرية الناس وإن كان سجينا.”
والحرية هي من أقدس القيم وأغلى الأشياء التي يملكها الإنسان ويتعلق بها ويمجدها حتى تنال مكانة في النفوس، وتزيد منزلة في القلوب: “تحتفل بأعيادك الأمم، وتنصب لتمجيدك التماثيل، وتتشادق بأمجادك الخطباء، وتتغنى بمفاتنك الشعراء، ويتفنن في مجاليك الكتاب.”
ويضحي كذلك من أجلها: “ويتهالك من أجلك الأبطال، وتسفك في سبيلك الدماء، وتدك لسراحك القلاع والمعاقل.” والحرية لا لون لها ولا جنس لها. إما أن تكون حرية للجميع أو لا تكون. ” فنحن ضد أضداد الحرية، وأعداء أعداء الحرية ونقاوم من يقاوم الحرية، سواء كان من أهل البرانيس أو من أهل البرانيط”
وقارن ابن باديس الحرية بالمساواة، فحين تطبق هذه القيمة على الجميع تسود الحرية لأن حينئذ يتمتع كل فرد بحريته دون أن يضر غيره. لكن إذا غابت المساواة أو سادت المساواة العرجاء وقع الخلل، لأنها تعطي الحرية لمجموعة وتحرم منها مجموعة أخرى. لهذا طالب ابن باديس السلطة الفرنسية لتصحح هذا الوضع، فقال: ” لو كنتم حقيقة تريدون المساواة فلماذا لم تسووا بيننا وبين اليهود تتركون لهم حرية دينهم؟ لماذا لا تسووا بيننا وبين دعاة النصرانية الذين تؤيدونهم؟ بل لماذا لم تسووا بيننا وبين أعدائكم الطليان تتركونهم يؤسسون المؤسسات الضخمة لتعليم لغتهم مثل ما فعلوا في بجاية وسطيف وتغلقون دار الحديث بتلمسان ومدرسة قلعة بني عباس؟”
والحرية تعني أيضا العدل والإنصاف. فبعض القضاة الفرنسيين الأحرار لم يخضعوا للضغوطات، فحكموا بالعدل واستفاد جراء ذلك العديد من المعلمين المعتقلين بالبراءة، وعلى رأس هؤلاء الشيخ الطيب العقبي. كما تعني الحرية أيضا التسامح الديني. وقد تجسدت هذه القيمة خلال حركة الفتح الإسلامي إذ عم هذا الدين أرجاء العالم في زمن قصير، وذلك “لتعظيم الإسلام للحياة والحرية ومحافظة عليهما وتسوية بين الناس فيهما”.
والخلط أحيانا بين الحرية والقيم الأخرى هي سمة الفكر الإسلامي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ونتفق هنا مع الدكتور عبد الله العروي حين قال أن هناك “عدم استيعاب مفهوم الحرية الأوروبي عند مؤلفين أكثر التصاقا بالفكر الغربي مثل الطهطاوي وخير الدين التونسي…وكلمة الحرية في اللغات الأوروبية كانت عادية لدى الغربيين في القرن التاسع عشر، والمفهوم كان بديهيا إلى حد أنه لا يحتاج في الغالب إلى التعريف، أما علماء وفقهاء الإسلام فإنهم كانوا لا يتمثلون بسهولة ودقة مفهوم الحرية.”
وبعد شعوره بتعنت السلطة الفرنسية وفشل مهمته إلى فرنسا في وفد المؤتمر الإسلامي طرح ابن باديس معنى آخر للحرية، ويتمثل في التخلص من القيود السياسية وتجاوزها لأنها ظالمة ومستبدة لا يجب الخضوع لها، والسكوت عنها. ويعتبر الالتزام بها عنوان مذلة وهوان. وفي هذه الحالة تتحول الحرية من وضعية أو حالة إلى ” فعل وعملية قد تكون كلمة تحرر أصدق تعبيرا عنها.”
وهذا ما تضمنته عدة مقالات له التي عبر من خلالها عن يأسه الكامل من فرنسا، وقال لقد حان الوقت لنعتمد على الله وأنفسنا. كما ثبت أنه جمع صفوة تلامذته وأصدقائه في عام 1939 ليتدبر معهم مسألة الخروج عن السلطة الاستعمارية الفرنسية وتحضير ثورة من أجل تحرير الشعب الجزائري. وعبّر عن هذه المعاني أيضا في نشيده الخالد:
يا نشء أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقتـرب
خذ للحياة سلاحـــ ها وخض الخطوب ولا تهب
وارفع منار العدل والا حسان واصدم من غصب
وأذق نفوس الظالميـــــــــــــــــــــــــــن السم يمـزج بالرهب
واقلع جذور الخائنيـــــــــــــــــــــــــــن فمنهـم كل العطـــب
واهزز نفوس الجامديـــــــــــــــــــــــن فربما حيي الخشب
وهكذا نجد كلمات كالتضحية والثبات المغامرة وغيرها من الكلمات القوية التي تنطلق كالرصاص تتردد على لسانه وتتكرر على قلمه.

مرجعياته ومصادره:
1- القرآن الكريم:
لا شك أن أول مرجعية ابن باديس هو القرآن الكريم الذي تفرغ لتدريسه في جامع الأخضر ومدرسة التربية والتعليم وتفسير آياته وسوره في عدة مساجد قسنطينة خلال خمسة وعشرين سنة.
“أتى القرآن كتابا هدى لجميع الخلق بلسان عربي مبين، يخاطب العقل ويدعو إلى الفطرة، يقارع بحجته ويدعو إلى التفكير، يحارب الجمود ويحث على الاستدلال، يقرر الحرية بأنواعها، والأخوة بطبقاتها، والمساواة بأتم وجوهها، بين جميع الناس أمام الله والحق والعدالة.”
ويحتوي القرآن آيات كثيرة تبرز أهمية الحرية واعتبارها شرطا في التكليف والاستخلاف، وتضمن احترام خيارات الإنسان في مجالات العبادات والمعاملات المختلفة. وحدد الحرية كرسالة الرسل عليهم السلام، فهم بعثهم الله لتحرير العقول والقلوب والنفوس وتعيش سعيدة في الدنيا والآخرة.
وقال ابن باديس في هذا الشأن: ” وما أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام و ما أنزل عليهم الكتب وما شرع لهم الشرع إلا ليعرف بنو آدم كيف يحيون أحرارا، وكيف يأخذون بأسباب الحياة والحرية، وكيف يعالجون آفاتهما، وكيف ينظمون تلك الحياة حتى لا يعتد بعضهم على بعض، وحتى يستثمروا تلك الحياة إلى أقصى حدود الاستثمار النافع المحمود المضفى بهم إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.”
وفي المجال الديني دائما، اعتبر ابن باديس أن شهر رمضان قد شرع لتحرير الروح من البدن، حيث يستثمر الإنسان وقته خلال هذا الشهر في العبادة والذكر وقراءة القرآن، ويروّض كبح شهواته. وفي يوم العيد الفطر يحتفل الصائم بفرحته وانتصاره على سلطان النفس. ولكل هذه الأسباب سمى ابن باديس عيد الفطر بعيد الحرية تحررت فيه الأرواح والعقول، ولا شك أن ” إذا حررنا أرواحنا وعقولنا فقد حررنا كل شيء.”

2- السنة والسيرة النبوية:
ويستلهم الدروس والعبر والحلول من السيرة النبوية المطهرة التي هي سجل الحرية وكتاب مفتوح في الكفاح ضد الظلم والاستعباد. وسأذكر هنا نموذجا من قراءته للسيرة النبوية من خلال درس له في جمعية التربية والتعليم بقسنطينة بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فقد ولد النبي (ص) في “بلاد ضعيفة مظلومة لتعلم الأمم أن الله يقدر أن يوجد من الضعيف قوة ومن المظلوم سيادة حتى يتبين انه قادر جبار وحتى لا ييأس الضعفة المستعبدون ويدعوا الكفاح ولئلا يغتر الأقوياء بقوتهم فيهلكوا”.
وبيّن الشيخ ابن باديس كيف تجسدت هذه المعاني في صدر الإسلام الأول بقيادة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين والسلاطين المسلمين من بعدهم، ثم يتوجه إلى الشباب والطلبة الذين ينصتون إلى خطابه ليقول لهم:” نخاطبكم أيها الشباب لتوجد من ضعفكم المادي قوة ومن إيمانكم القوي نفوسا أبية لا تركن إلا إلى الحق ولا تعبأ إلا بمن يعبأ بها ولا تنصر إلا العاملين المخلصين و لا تخذل إلا من خذلها ولو كان من أعز أبنائها !”
واستنتج ابن باديس من قصة استجابة النبي (ص) لرأي الصحابي الحباب بن المنذر في غزوة بدر في تغيير مكان نزول الجيش الإسلامي وردم مجموعة الآبار بالتراب حتى لا يستفيد من مائها جيش قريش، ليصف سيدنا محمد أنه أعظم قائد يلزم نفسه بالسماع إلى الآخر والاستفادة من رأيه المختلف ودعوة الجميع لتجسيده على أرض الواقع. هذه هي الحرية في أبهى صورها تطبيقا لما جاء به الإسلام من احترام حرية التفكير والتعبير.
واستنبط ابن باديس أيضا من قصة زيد بن حارثة الذي رفض العودة إلى أسرته رغم إلحاحها، إلى شعور زيد بكامل حقوقه وكرامته وهو يخدم النبي (ص) الذي لم يعتبره يوما عبدا بل فردا من عائلته ومن أقرب الناس إليه حتى حسبوه ابنه ونزلت في هذا الشأن آيات قرآنية من سورة الأحزاب.
وهكذا كان سيدنا محمد (ص) حاملا لقيم إنسانية يخرج بها الناس من الظلمات إلى النور. فهو قدوة في احترام الغير والتسامح مع الغير ومثال في الوفاء للمبادئ التي لن تسعد الإنسانية إلا بالتمسك بها.

3-التراث الإسلامي والفكر الغربي:
ويستقدم إبن باديس كثيرا التراث الإسلامي ليؤكد على أن التاريخ لم يعرف فاتحا أرحم ولا أعدل من المسلمين فهم حرصوا على كرامة الإنسان فتركوا له حرية اختيار الإسلام أو البقاء على دينه، وحرية الحفاظ على اللغة العربية أو لغته الأصلية. فلم تتعرض الشعوب التي وصل إليها الإسلام للإجبار بينما تعرض المسلمون دائما لاضطهاد بكل أنواعه ويكفي هنا مثال محنة المسلمين في إسبانيا بعد سقوط الأندلس.
وفي سياق نفسه، دخل ابن باديس في سجال طويل مع مثقف فرنسي (أشيل روبير) بين له ابن باديس أن الحضارة الإسلامية هي الحضارة التي كرست حرية الإيمان والتدين ولم تجبر من كان تحت حكمها بالتخلي عن ثقافته ولغته.
واستعان كذلك بأدبيات رواد النهضة في العالم الإسلامي وكذلك إنتاج الأدباء والشعراء المعاصرين. فأعاد نشر مقالاتهم الصادرة في الصحف والمجلات، ومقتطفات من كتبهم، ومختارات من أقوالهم.
كما وظّف ابن باديس الفكر الغربي من أجل بناء تصوره عن الحرية ورسم السبيل للوصول إليها وإقناع السلطة الاستعمارية في حق الجزائريين في الحصول عليها منطلقا من كتابات أوروبيين ومستشرقين، ومن أبرزها: كتاب “الأبطال” لتوماس كارليل، و”حضارة العرب” لغوستاف لوبون.
وخلاصة، القول أن التاريخ الإسلامي أو الغربي سجل نماذج رائعة في الصبر والتضحية في سبيل تحقيق الحرية أو الحفاظ عليها من كل الغاصبين. بهذه النبرة يوجه ابن باديس خطابه لكل من يعتقد غير ذلك، ويصر على الاضطهاد في الفكر والدين والسياسة.
ويدعو هؤلاء إلى مراجعة التاريخ ليتيقنوا أن الأحرار هم المنتصرون دائما ما هما طال ليل الظلم وتأخرت شمس الصبح: ” راجعوا تاريخ الأديان وانظروا ماذا لقي أهلها من الاضطهاد. فهل قضى ذلك شيء من تلك الاضطهادات المتتابعة في الأزمنة أو في القرون المتتابعة على واحد من تلك الأديان؟ وهل كانت الاضطهادات – والتاريخ يشهد- إلا ريحا لا تزداد بها شعلة الفكرة والعقيدة المقدسة إلا شبوبا واستنارة.”
وعلى الرغم من ذلك، بقيت الحرية مفقودة في الجزائر، ولم تتحرر الجزائر إلا بعد قرابة ربع قرن من وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس نتيجة جهود هذا المصلح وغيره من أحرار الجزائر.

أنواع الحرية:
نتوقف في هذا المبحث عند أبرز الحريات التي تناولها فكر الشيخ عبد الحميد ابن باديس، وهي:
1-حرية التدين والتعددية:
إن حرية التدين وقبول الآخر والاعتراف بالاختلاف هي قيم من صميم الإسلام. ومن المشاهد الكثيرة في هذا الشأن عبر التاريخ الإسلامي ما كتبه في ذلك ابن باديس في مجلة الشهاب: “عاش النصارى واليهود والمجوس في الشرق والغرب في حجر المسلمين وتحت سلطانهم قرونا طوالا فما أكرهوا على إسلام، ولا نصب لهم ديوان تفتيش، ولا أرهقوا بالضرائب، ولا اقتيدوا للموت في سبيل الإسلام، ولا انتزعت أراضيهم بأفانين الاحتيال، ولا منعوا من قراءة دينهم ولغتهم بوجوه المنع، ولا أخذت أموال بيعهم وكنائسهم وتركت تعيش بالتقتير والاستجداء دانية للخلاء والخراب، ولا تعرض للطعن والتشهير بأديانهم وأعراضهم وعظمائهم بالزور والبهتان، ولا خصّوا بأحكام استثنائية في قانون العدل العام، بل كان لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، يبلغون من العلم والجاه والثروة تحت لواء العدل الإسلامي حيث يستطيعون فتسنّموا الكتابة والحجابة والوزارة وأثروا حتى استغرضهم الأمراء والأشراف راتعين في بحبوحة الأمن والمودة والمساواة للمسلمين في أبواب العدل والإحسان “.
وإذا كان الإسلام متسامحا مع غير المسلمين، فهل كان ابن باديس مؤمنا بالتعددية؟ إن قوله بحرية الاختيار نابع من قناعته الدينية وتفتحه على الثقافة الإنسانية: ” فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها في جميع أجناسها وأوطانها وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها”.
ولذلك هو يقر بالتعددية الدينية ويقبل حرية الاعتقاد: ” نحن كمسلمين لا يضيق صدرنا بأن نرى أهل كل دين يحتفلون بطقوس دينهم، ويظهرون تمسكهم بعقيدتهم، ويدعون إليه بكل وجه شريف نزيه، بل نريد أن يقع التفاهم بين أهل الملل على أصل التدين. ليقع التعاون على نشر أصول الخير والإحسان التي تتفق عليها جميع الملل، وعلى مقاومة الشر والظلم والإلحاد المحرمة عند الجميع.”
والإسلام لم يحارب اللغات الأخرى، بل يحرص على تعددية اللسان: ” نؤمن بأن اللغات البشرية كلها محترمة، وأنها من آيات الله، من قول ربنا: ” ومن آياته اختلاف ألسنتكم.” ومن هذا المنطلق “لم يعرف عن مملكة إسلامية مقاومة لغة من اللغات ولا معارضة احد في طريق التعليم والتعلم (…) وقد عاش أحبار الأمم ورهبانها وعلماؤها يعلمون أممهم ما يشاءون من ألسنتهم وعلومهم تحت ظل الممالك الإسلامية و لا يلقون إلّا التعظيم والاحترام الذي يستحقه المعلم في نظر الإسلام.”
وكان ابن باديس يسعى إلى التقارب بين الديانات وحوار الثقافات وتعاون الأجناس امتثالا لدينه الحنيف: ” أنا كمسلم أدين بالأخوة الإنسانية واحترامها في جميع أجناسها وأديانها، وأسعى للتقريب بين جميع عناصرها، وأجاهد فيما هو السبيل الوحيد لتحصيل ذلك.”
ومن هذا المنطلق، انتقد ابن باديس الأوروبيين الذين لا يتعاملون بالمثل مع الدين الإسلامي ولا يحترمون المسلمين. وبعث رسالة إلى وزير خارجية فرنسا والمقيم العام بالمغرب ليحتج على منع مسلمي مراكش من إقامة احتفالات بمناسبة المولد النبوي الشريف.
كما احتج على المؤتمر المسيحي الأفخاريستي المنعقد في تونس في عام 1930 لأنه اعتبر تنظيمه استفزازا وإثارة لمشاعر المسلمين. ولم يعارضه لأنه تظاهرة مسيحية هادفة بل قال أنه كان مستعدا للترحيب به وللمشاركة فيه: ” فلو كان هذا المؤتمر انعقد على هذه الأصول ولهذه الغاية لكنا من أول المرحبين به، وقد نكون من المشاركين فيه.”
كذلك احتج على مؤتمر انعقد في جامعة السوربون حول حوار الأديان برئاسة المستشرق لويس ماسينيون ولم يدع إليه العلماء الأحرار الذين يمثلون حقا الإسلام ليتحدثوا عنه بكل حرية وبدون خوف من الضغوطات التي تمارس على العلماء الرسميين أو بعض شيوخ الطرق الصوفية والزوايا. و” لو كان هذا المؤتمر حرا ويعمل لغاية دينية خالصة – كما يقول ابن باديس- لما كان يتقيد بهذا القيد لكنت ترى فيه من رجال الأديان الأحرار مثلما ترى غيرهم فان الدين دين الله ليس بدين الحكومات الاستعمارية على الأخص.”

2-حرية التعليم:
شغلت حرية التعليم الشيخ عبد الحميد بن باديس لأعوام طويلة، وصارت هاجسه الأكبر بعد صدور قرار 8 مارس 1938 المطالب بامتلاك الرخصة للتدريس. فراسل النخبة السياسية الجزائرية والفرنسية للتراجع عن هذا القرار فالجزائري له الحق في التعليم والخروج من الجهل.
وكثيرا ما كتب عن حرية ممارسة الشعائر الدينية وتعليم اللغة العربية في المساجد والمدارس والنوادي والتنديد بالمضايقات التي كانت تمس معلمي وتلامذة المدارس الحرة. ويركز ابن باديس على اللغة العربية لأنها هي “اللغة المهملة بين أبنائها، المحرومة من ميزانية بلدها، المطاردة في عقر دارها، المغلقة مدارسها، المحارب القائمون على نشرها بين أبنائها.” ويضيف إبن باديس أنه يناضل في سبيل حرية التعليم العربي وليس ضد تعليم اللغة الفرنسية التي لها الحق في الوجود. فهو يقول بكل وضوح: ” ولو حرمنا من حرية تعلم اللغة الفرنسية التي هي سبيلنا إلى آداب الغرب وعلومه وفنونه وفهمه من جميع جهاته، كما حرمنا من حرية تعلم لغتنا، لوقفنا إزاء ذلك الحرمان لو كان، كوقوفنا إزاء هذا الحرمان.”
ويرى ابن باديس أن حرية التعليم ليست قضية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بل هي مسألة الأمة كلها. وندد بالازدواجية في تعامل الإدارة الفرنسية مع تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية:، فمعلموها يتعرضون “للمعارضة ومناهضة” ويجدون ” مقاومة ومحاكمة” بينما غيرهم من ” معلمي اللغات والأديان والمروجين للنصرانية في السهول والصحاري والجبال بين أبناء وبنات الإسلام في أمن وأمان، بل في تأييد بالقوة والمال.”
وبمناسبة زيارة رئيس الوزراء الفرنسي دالاديي إلى الجزائر في بداية عام 1939، وجه له ابن باديس رسالة : ” إن الجزائر المسلمة تنتظر منكم حرية دينها ولغتها، حرية المساجد لتعليم الكبار، وحرية المدارس لتعليم الصغار وحرية النوادي… وسراح مساجينها الفكريين.”
ولم يقف الشيخ ابن باديس بكل قواه للتشجيع الجزائريين على القطيعة مع الأمية والجهل وتعبئتهم لتشييد المدارس في كل قرية وحي في المدينة، في الجبال والصحاري، فحسب بل وقف أيضا بالمرصاد للعادات والتقاليد البالية التي تحرم البنت من التعليم، ولأول مرة تفتح مدرسة في الجزائر للبنين والبنات على السواء باعتبار البنات هن أمهات المستقبل، وقال أن “موت المرأة بالجهل موت للشعب”. وقد نجح في تحرير البنت الجزائرية من ربقة الجهل.

3-الحرية السياسية:
الحرية كالنبات كلما كان فضاؤه واسعا وهواؤه نقيا نمت، وكذلك بالنسبة للإنسان فكلما كان حرا نمت مداركه وقويت عزيمته فتضاعفت أعماله وأثمرت جهوده. وهكذا تعلق الإنسان بالحرية لأنها شرط كماله. فإذا كان هذا على مستوى الفرد، فإن المجتمع يحتاج إلى مؤسسات تصون كرامته وتحفظ حريته بشرط أن تكون هذه الهيئات منتخبة ونابعة من إرادته واختياره. وكلما تعمق هذا السلوك في مجتمع ارتقى بين المجتمعات أو في دولة علا شأنها بين الدول.
حرص الشيخ عبد الحميد ابن باديس على مساندة كل المواقف والآراء التي تطالب بحق الجزائريين في الممارسة السياسة والنضال بكل حرية. وحرص أيضا في توجيهاته إلى أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بإبقاء جمعيتهم مستقلة عن كل الأحزاب والتيارات السياسية: ” إن الجمعية لا توالي حزبا من الأحزاب، و لا تعادي حزبا منها، وإنما تنصر الحق والعدل والخير في أي ناحية كان، وتقاوم الباطل والظلم والشر من أي جهة أتى، محتفظة في ذلك كله بشخصيتها ومبادئها، محترسة في جميع مواقفها مقدرة للظروف والأحوال بمقاديرها.”
وكثيرا ما كان ابن باديس يخاطب النخبة الفكرية والسياسية الفرنسية بمبادئ الثورة الفرنسية: الأخوة، الحرية، والمساواة. وكان يطمع في حكمة المفكرين الفرنسيين الأحرار الذين وصفهم بأصحاب ” الصدور الواسعة والقلوب الكبيرة” للضغط على اللوبي الاستعماري والدفاع عن حقوق الجزائريين “نحن مع فرنسا الحرة التي نراها في وجوه أبنائها الأحرار. وما أبناؤها إلا الذين يسيرون مع الناس كلهم بمبادئها الخالدة: الحرية، والمساواة، والأخوة لا يفرقون في هذه المبادئ بين الأجناس والأديان، أولئك الأحرار الحقيقيون نحن معهم وسنبقى معهم.”
ثم دعا هؤلاء الأحرار إلى الوفاء لمبادئهم وتجسيد شعاراتهم في الجزائر، وإلا فلا قيمة لآراء وأقوال بلا أعمال: ” أيها الإخوان الفرنسيون المحتفلون بالحرية ! إن الأمة الجزائرية تحتفل معكم وتشارككم في الاحتفال بالحرية في أيام السلم، كما شاركتكم في الدفاع عن الحرية على ضفاف المارن وتحت حصون فردان. وهي تسألكم باسم الحرية أن تعملوا لتنال حظها من الحرية خصوصا وقبل كل شيء حرية تعلمها لدينها ولغة دينها.”
وتساءل عن هذا الخوف المفرط لدى السلطة الفرنسية القلقة من جمعية قامت من أجل الإصلاح الديني في الوقت الذي تكاثرت الجمعيات الإصلاحية في المستعمرات البريطانية: ” أفتكون في الهند جمعيات للعلماء تقوم بأعمالها بغاية الحرية والهناء عشرات من السنين تحت السلطة الانجليزية الغاشمة القاسية وتضيق صدوركم انتم عن تكوين جمعية واحدة للعلماء المسلمين بالجزائر تحت المبادئ الجمهورية العادلة المشعة بعلومها على الأمم فتناهضوها وهي ما تزال في المهد؟”
وردا أيضا على المقيم العام الفرنسي الذي اتهم جمعية العلماء بالاشتغال بالسياسة، فقال له أن من حقها أن تقوم بذلك باعتبارها الاهتمام بالشأن العام. وضرب أمثلة من رجال الدين الأوروبيين الذين يمارسون السياسة بكل حرية وتوقف عند الكاردينال ريشليو الذي كان رئيسا للوزراء في فرنسا وأحد مؤسسي الدولة الفرنسية الحديثة. فالقانون يجب ان يطبق على الجميع.
وفي مجال السجال السياسي في العالم العربي، ساند ابن باديس الأمير شكيب أرسلان في فكرته القائلة بأن الوحدة السياسية العربية تكون فقط بين الدول المستقلة التي تتمتع بالحرية. واعتبر صديقه الليبي سليمان الباروني أن ذلك تهميش للمغرب العربي وتبرأ منه. وقال ابن باديس إنه ليس من المنطق أو الممكن أن تنضم إليه دول مستضعفة ومستعمرة إلى الوحدة السياسية العربية ولكن “الوحدة القومية والأدبية متحققة بينها لا محالة.”

4-حرية الرأي والتعبير:
اختلف ابن باديس مع مصالي الحاج زعيم حزب نجم إفريقيا في مسألة مساندة مشروع فيوليت، فقال ابن باديس أنه وافق على هذا المشروع لتحقيق مكاسب سياسية بشرط عدم المساس بالشخصية الإسلامية للجزائريين. بينما رفضه مصالي جملة وتفصيلا باعتباره يتناقض مع مطالب حزبه بالاستقلال. ورغم هذا الاختلاف، احترم ابن باديس رأي مصالي وأتباعه: ” نحن نحترم رأي هذه الأقلية ونؤمل بقاءها على رأيها، وهي تطالب بالاستقلال. وأي إنسان يا سادة لا يحب الاستقلال؟ إن البهيمة تحن إلى الاستقلال الذي هو أمر طبيعي في وضعية الأمم.”
كما دافع عن حق مصالي الحاج في العمل السياسي واحتج ضد اعتقاله وحل حزبه نجم شمال إفريقيا ثم حزب الشعب بذريعة المساس بالأمن العام والتطرف في مطالبه. وقال ابن باديس أنها تهم ملفقة وذكر أحزابا فرنسية متطرفة وعنيفة غير أنها لم تمس ولم تتعرض لأي عقاب أو منع نشاطها، بل ذهب ضحيتها ليون بلوم رئيس الحكومة الفرنسية التي تعرض للضرب المبرح من أنصار حزب متطرف.
ومدح الصحافة الحرة واعتبرها ” قوة لا غنى عنها لأمة راقية ولا رقي لأمة ناهضة في هذا العصر بدونها.” وحرص على نقل مقولة الزعيم المصري سعد زغلول في موضوع حرية الصحافة وتأثيرها في صناعة الرأي: ” الصحافة حرة تقول من حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد فليس من الرأي أن نسألها لم تنتقدنا بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.”
ولكن الصحافة لها أيضا خطورة عندما لا تحترم حرية الآخرين وتمارس التدليس والتلبيس، وتتجاهل الحقيقة وتتحامل على الأبرياء. فقد تعرض ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لأباطيل نشرتها جريدة لوطان (Le Temps) الباريسية.
ولهذا قام في الإسلام علم لضبط التعددية بأسماء مختلفة، منها: أدب الاختلاف، أدب الجدل، أدب المناظرة، وهي كلها ” تعلم المسلمين كيف يتعاملون مع بعضهم البعض حين يتناظرون وحين يتحاورون، وحين يكونون مختلفين.”
ولم تغفل سلطة الاحتلال عن متابعة ومراقبة الصحافة الحرة في الجزائر ومضايقتها، فقد صادرت حرية التعبير، وعطلت جرائد جمعية العلماء الثلاث: “السنة” و”الصراط” و”الشريعة”، متعدية على القانون نفسه الذي يعترف بالصحافة كأداة مشروعة لكل جمعية لتنشر دعوتها وتدافع عن نفسها. وعطلت كذلك جريدة المنتقد التي كان يصدرها ابن باديس في قسنطينة، واضطر إلى إصدار جريدة أخرى بعنوان “الشهاب”، التي عرفت هي أيضا صعوبات كادت تتوقف بعد أربعة سنوات لولا أن حولها ابن باديس إلى مجلة شهرية.

معوّقات الحرية:
كيف نفقد الحرية؟ هنالك عدة معاول تهدم صرح الحرية بتكريس الاستبداد وتحجيم استقلالية الإنسان وتحويله إلى عبد لغيره طوعا أو كرها. فيقول في هذا السياق: ” وكما جعل الله للحياة أسبابها وآفاتها جعل للحرية أسبابها وآفاتها. ومن سنة الله الماضية أنه لا ينعم بواحدة منها إلا من تمسك بما لها من أسباب وتجنب وقاوم ما لها من آفات.”
وسأقتصر هنا على ذكر أربعة معاول حذرنا ابن باديس منها، وهي تتمثل في:
1- الاستعمار:
إن الاستعمار يكرس دائما وضعا متخلفا ومتناقضا، ويلجأ باستمرار إلى القوة لفرض هيمنته وتطبيق سياسته المرفوضة، ويبرر ذلك بأساليب مختلفة. ولا يمكن بالتالي أن تولد الحرية في ظل شروط الاستعمار، وإذا هي ولدت ستفتقد إلى شرعيتها في نظر الآخرين الذين يعتبرونها نتيجة خيانة وثمرة لتنازلات للعدو والتواطؤ معه.
وهكذا يتوقف الشيخ ابن باديس مرارا عند الازدواجية التي تميز واقع الاستعمار في الجزائر بين الممارسات والشعارات. فالسلطة الاستعمارية تضيق على العلماء الأحرار وتحاصر مدارسهم الحرة، ولا تقدم لهم رخصا لتدريس مبادئ الإسلام وأبجديات اللغة العربية، بينما تسمح للمؤسسات الموالية للإدارة الفرنسية بأداء أعمالها بكل حرية. سأعود إلى هذه النقطة فيما بعد.
وتتدخل الإدارة الفرنسية في كل أمور الناس، وتضايق الأحرار منهم بكل السبل والوسائل، مرة بالترغيب ومرة أخرى بالترهيب. ولعل من ابرز ما يمثل هذا الاضطهاد هو إقدامها على منع أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأنصارها من أداء فريضة الحج. واحتج ابن باديس على هذا القرار المجحف والموقف الخطير الذي لم يرتكبه حتى ” ديوان التفتيش الإكليروسي” في العصور الوسطى.

2- قبول الوظيف الرسمي:
حرص ابن باديس على عدم العمل في المؤسسات الرسمية الاستعمارية. وكان يوصي أصدقاءه وتلامذته بالاشتغال بالأعمال الحرة ليكونوا أحرارا اقتداء بسلفهم الصالح من العلماء الذين اشتغلوا بكل الحرف حتى اشتهروا بها، واستطاعوا أن يكونوا مستقلين في آرائهم ومواقفهم وصادقين في تعاملهم مع السلطة الحاكمة. يقول ابن باديس بكل وضوح ليس فيه أي لبس أو تأويل: ” ونحن نرى حتما لزاما على كل من كان يعد نفسه لخدمة الإسلام بنشره والدعوة إليه وبيان حقائقه لأبنائه وغير أبنائه أن يبتعد عن كل وظيف.”
وكان ابن باديس ينصح في كل مناسبة تلامذته في الجامع الأخضر قائلا لهم: “ولا نتعلم العلم لأجل الوظائف والسيادة”. ولأجل هذه المبادئ وأمثالها اشتغل رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالتجارة ولم يقبلوا العمل في المؤسسات الدينية والتعليمية والقضائية التي تشرف عليها الإدارة الفرنسية.
وأما غيرهم فكانوا يتمتعون بحرية مغشوشة. ورغم ذلك دعاهم ابن باديس إلى التعاون والاتحاد بشرط أن يتخلصوا من كل أنواع العبودية والرضوخ: “والله لو أن هؤلاء الناس استقلوا في إرادتهم وتحرروا من عملهم من مسيريهم، وطرحوا عنهم الأغلال التي وضعوها باختيارهم في أعناقهم وجعلوا نشر العلم وخدمة الإسلام أقصى غاياتهم لمددنا لهم يد الإخوة والاتحاد.”
ومن أروع الأمثلة التي ساقها ابن باديس في تقييد الوظيف للحرية مقارتنه بين الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. فالأول خرج من القصر فاتسعت شاعريته العالمية وقويت نزعته الوطنية، و أما الثاني الذي توظف في دار الكتب المصرية ” فقد سكت، سكت إلا عن قليل كان أكثره رثاء. ولعمر الحق ما سكته إلا الوظيف الذي ينسى به الشرقي – حتى حافظ ويا للأسف – نفسه وأمته وملته.”

3- النفاق والخوف:
ويعرض ابن باديس لعقبة أخرى هي النفاق الناتج عن الخوف أو الأنانية، فالإنسان الخاسر هو الذي يسعى بنفسه ليكون عبدا لغيره بتملقه وتزيفه من أجل مكاسب الدنيا، فيتنازل عن كرامته ويقيد نفسه، ويتبنى أفكارا وآراء ومواقف نفاقا وإرضاء لغيره دون أن يكون مقتنعا بها أو مؤمنا بها في قرارة نفسه. وهو يخاف أيضا من الحرية ويعتبرها عبئا ولا يمكن له أن يتخلص منها أو يمنع بروزها إلا بالهروب نحو القوة التسلطية. فهذا ما وقع بالفعل للإنسان الألماني الذي فر من الحرية ليقع في فخ الديكتاتورية في عصر هتلر.
وذكر ابن باديس نماذج بشرية من هذا الصنف في الجزائر والعالم العربي والإسلامي. فهذا قاضي طرابلس في ليبيا أهدى إلى موسوليني سيفا سماه سيف الإسلام، ووصف الزعيم الفاشي بـ “حامي الإسلام”. أو هذا الأمير الحبشي رحب باحتلال إيطاليا واعتبره فتحا وتحريرا للبلاد.
وهكذا، كتب الشيخ عبد الحميد بن باديس مقالا رائعا عنوانه:”أيتها الحرية المحبوبة ! أين أنت في هذا الكون؟” قدم فيه نقدا لاذعا للمتشدقين بالحرية من الشعراء والكتاب والدول في العلن ولكنهم يحاربونها في السر. فكم من دولة تحتفل كل عام بالحرية وهي تستعبد شعوبها أو غيرهم على أرض الواقع.

4 – الحبس واعتقال الأحرار:
إن المستبد يلجأ إلى بناء السجون لاعتقال الأحرار وترهيبهم ومعاقبتهم. وقد كتب ابن باديس مقالات ورسائل وعرائض يحتج من خلالها على اعتقال العلماء بسبب آرائهم ومواقفهم وعلى رأسهم الشيخ الطيب العقبي في الجزائر، والشيخ عبد العزيز بن الهاشمي و عبد القادر الياجوري في واد سوف والشيخ عمر دردور في الأوراس والشيخ الهادي الزروقي في بجاية.. الخ.
والشيخ إبن باديس أشاد بالثورة الفرنسية عندما اعتبرها من أهم ثورات في تاريخ البشرية ذلك بأنها “أول مشعال للحرية في أوروبا كلها”.
وكان أبرز مشهد في هذه الثورة سقوط سجن الباستيل – أو”قبر الأحرار”- في قلب باريس في 14 جويلية 1789 نهاية لعصر الاستبداد وبداية لعهد الحرية وانتصار سلطة الحق. وحق للإنسانية كلها وليس فقط للفرنسيين أن يحتفلوا بهذا النصر على الظلم والاستبداد ذلك أن هذا الحدث التاريخي وضع حدا للقوة التسلطية وفتح طريقا للتحرر وجاء بقيم جديدة شكلت مصدر آمال للشعوب في فرنسا وأوروبا، وانتقلت أصداؤها بعد ذلك إلى كل أنحاء العالم.
هل كانت فرنسا العلمانية متسامحة مع الدين الإسلامي ورجاله؟ إن أحفاد هؤلاء الثوار الأبطال الذين هدموا الباستيل وغيرها من سجون العار في فرنسا ليحرروا “الشعوب من نير العبودية باسم الملك أو باسم الكهنوت” حوّلوا الجزائر إلى سجن كبير يمارس فيه قمع لا يقل بشاعة عما كان يحدث فيه. ففي الوقت الذي يسمح فيه لرجال الدين المسيحي وخاصة الآباء البيض بالتنصير في أوساط المسلمين يعتقل الدعاة والعلماء المسلمين الذين يقومون بواجبهم نحو إخوانهم في الدين والوطن. وأكبر من ذلك يسجن العلماء الأحرار مع المجرمين والأشرار، ولا يعاملون في سجنهم معاملة خاصة “احتراما للفكر وإكراما للعلم وإجلالا للعلماء.”
وإذا استطاع المستبد أو المحتل أن يروّض بعض الأحرار غير أن كثيرا من العلماء والأدباء حوّلوا سجنهم إلى خلوة للمراجعة والنقد الذاتي والتفرغ للمطالعة وتأليف الكتب الخالدة، فهذا مفدي زكريا نظم أروع قصائده في سجن باربروس، وختم سيد قطب كتابة تفسيره “في ظلال القرآن” في السجن، وكتب المؤرخ الفرنسي المجدد فرناند برودل كتابه النفيس “البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فليب الثاني” في إحدى المعتقلات النازية… وغيرها من الأمثلة من روائع الأدب العالمي والفكر الإنساني التي أنتجت في المعتقلات، ونشأ جراء ذلك ما يمكن لي أن أسميه بـ “أدب السجون”.
وبعد سرد هذه المعوّقات، نطرح السؤال التالي: هل يتراجع الإنسان عن المطالبة بالحرية ويستسلم للعوائق ويرضخ للاستبداد والاضطهاد؟
إن الحرية لا تتحقق إلا بالثبات عند المحن والصبر على الآلام، ولا ينتصر الأحرار على الاستبداد والظلم إلا بالصمود والمثابرة على العمل، فالمضايقات والاضطهاد هي بالعكس ” لا تزيد المؤمنين إلا إيمانا، ولا تزيد ما تدعو إليه الجمعية من حق وعدل وخير وإحسان إلا انتشارا، و لا تزيد من يزرعون الباطل والجور والشر والإساءة من الوشاة والكائدين إلا اندحارا وانكسارا.”
وقال ابن باديس لابد أن نحوّل المصائب إلى مصدر للتلاحم والتضامن بين المضطهدين. فبذلك يحّلون ضعفهم إلى قوة. وقد خاطب جمهور مدينة باتنة المساند للشيخ المعتقل عمر دردور قائد الحركة الإصلاحية في منطقة الأوراس ومعتمد جمعية العلماء فيها:” إنا نستبشر اليوم بهذه الظاهرة الجديدة حيث كنا قبل نتفرق في الشدائد أما الآن فقد أصبحنا بحمد الله نجتمع عليها ولا تفرقنا المصائب والكوارث بحال.”
وكان ابن باديس يدافع عن قضيتهم في كل المنابر، وينشر صورهم في البصائر والشهاب ليعرفهم الناس، ويزور المعلمين المعتقلين في سجونهم، ويتصل بأهلهم لمواساتهم ودعمهم ماديا، ويسافر إلى معاقلهم الإصلاحية لرفع معنويات أنصارهم وتلامذتهم.

استقلال الفكر عند ابن باديس:
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كان ابن باديس حرا في فكره ومستقلا في رأيه وممارسا للحرية مع غيره؟
يرى ابن باديس أن التفكير السليم والاستقلال فيه ضروري لكل طالب علم من أجل استيعاب المسائل التي يدرسها ويطلع على تفكير غيره ليستعين به ثم يستعمل فكره هو بنفسه. و بهذا التفكير المستقل يتجنب التقليد أو الوقوع في الخطأ ويصل إلى الحقيقة المنشودة.
كان ابن باديس من الشخصيات العلمية والدينية القليلة التي لم تحتج على إسقاط الخلافة العثمانية في عام 1924 خلافا لجل العلماء المسلمين لأنه اعتبر الخلافة ماتت فعليا قبل ذلك، ولم يعد لها إلا وجودا “رمزيا ظاهريا تقديسيا” لا علاقة له بأحوال الإسلام والمسلمين. وجهّر برأيه وراسل في هذا الشأن شيخ الأزهر لكن دون أن يتحصل منه ردا لأن هذا الأخير كان ضمن الحراك العالمي لتنصيب الملك المصري فاروق خليفة جديدا.
ولم يتردد من نقد أستاذه الكبير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في مقال قوي في جريدة البصائر عنوانه: ” شيخ الإسلام بتونس يقاوم السنة ويؤيد البدعة.” أو مناظرة المستشرق لويس ماسينيون حول وضع اللغة العربية في فرنسا التي قال عنها المستشرق الفرنسي في جريدة ” لبتي باريزيان” أنه نجح من خلال اللجنة العليا لشؤون البحر الأبيض التي يترأسها من فرض تدريس اللغة العربية في ثانويتين وهما: مدرسة لويس لو غران بباريس ومدرسة بيرييه بمارسيليا.
واعتبر ابن باديس هذا التصريح جاء من باب المجاملة وتمييع صورته ليلة سفره إلى القاهرة للمشاركة في أعمال المجمع الملكي اللغة العربية الذي هو عضو فيه، غير أن ” الحقائق العلمية لا تعرف بالمجاملة خصوصا في مقومات الأمم وأعز شيء لديها.” فلو كان ماسينيون يريد حقا أن يخدم العربية لقدم لحكومته – وهو صاحب نفوذ وكلمته مسموعة- عرضا حقيقيا عن وضعية هذه اللغة في الجزائر وحثها على اعتبار العربية لغة رسمية وعدم التنكيل بمعلميها وتعطيل مدارسها.
وانتقد أيضا المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب الذي مدح في الإذاعة الفرنسية بباريس دور الطرق الصوفية في مقاومة الاستبداد والظلم. ” ويؤلمني أنا على الخصوص أن اعرض لصديق قديم بهذا التجريح ولكن “الحق فوق كل أحد” وإن استاء المستاؤون”.
ولا يتردد في الرد على كل الذين يمسون جمعية العلماء بسوء من الإدارة الفرنسية أو المسؤولين السياسيين أو الصحافة المختلفة. فعلى سبيل المثال كتب مقالين للرد على جريدة فرنسية بعنوان ساخر: ” جريدة لاديباش تدافع ولكن بالغش والتدليس”.
كما فتح صفحات مجلة “الشهاب” وجريدة “البصائر” لكل الأطياف الفكرية والأدبية في الجزائر. وحتى للطلبة الذين مازالوا في مقاعد الدرس. وقد لفتت هذه الحرية “المفرطة” بعض العلماء في المشرق العربي مثل الدكتور محمد تقي الدين الهلالي وطلبوا أن توضع لها حدا.
كما تعرض الشيخ ابن باديس بدوره لانتقادات من طرف عدد من العلماء أمثال الشيخ أبو القاسم البيضاوي والشيخ مصطفى بن حلوش وحمزة بوكوشة..، غير أن ابن باديس قبل ملاحظاتهم وتعقيباتهم وتصويباتهم ونشرها في الشهاب والبصائر بصدر رحب، وأجاب عنها بأسلوب علمي مقنع.
الحرية هي الحصول على الحقوق في ظل نظام سواء كان هذا النظام عرفا اجتماعيا أو سلطة سياسية، ولا تتحقق الحرية إلا إذا وعى الإنسان ما تعنيها الحرية باعتبارها دليل على الوجود، فلا حياة بدونها ولا إنسانية إلا بها.
و لا يكتمل نمو الحرية إلا نضال صامد وتضحيات دائمة لأنها بذلك تملك شروط الاستمرارية والبقاء. فالمحن والصعوبات هي التي تصنع الإنسان الحر “وإن الآلام هي مطهر الشعوب من أوضار الماضي إلى نعيم المستقبل السعيد”. وما الاضطهاد والقمع والطغيان إلا سلاح العاجز والضعيف.

للبحث مصادر ومراجع

* هذا البحث قدمه الكاتب في الملتقى الدولي حول : “الفكر السياسي عند الشيخ عبد الحميد بن باديس” الذي نظمته مؤسسة الإمام عبد الحميد بن باديس بقسنطينة في يومي 19 و20 ماي أفريل 2012.

Facebook Twitter Email

 

 

 

 

 

التعليقات

لا يوجد رد على هذا الموضوع

اضف رد

الاسم

البريد الالكتروني

الموقع